محمد بن جرير الطبري
527
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : بلى ! فإن قال : فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع ، دون سائر الأشياء غيرها ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع . ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك . فقال بعضهم : خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر ، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة ، ثم حولوا إلى الكعبة . فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم : المشارق والمغارب كلها لي ، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها ، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله . * ذكر من قال ذلك : 1833 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قال ، كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود . فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله تبارك وتعالى : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ) [ سورة البقرة : 144 ] إلى قوله : ( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [ سورة البقرة : 144 - 150 ] ، فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ( مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) [ سورة البقرة : 142 ] ، فأنزل الله عز وجل : ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) ، وقال : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) . ( 1 )
--> ( 1 ) الحديث : 1833 - علي : هو ابن أبي طلحة الهاشمي : ثقة ، تكلموا فيه . والراجح أن كلامهم فيه من أجل تشيعه . ولكن لم يسمع من ابن عباس ، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل ، ص : 52 ، عن دحيم قال : " إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير " . وروي عن أبيه أبي حاتم مثل ذلك . وفي التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : " روى عن ابن عباس ، ولم يره " . فهذا إسناد ضعيف ، لانقطاعه . ولكن معناه ثابت عن ابن عباس ، من وجه صحيح . فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير 1 : 288 - " أخبرنا حجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج ، وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس . . " فذكر نحوه . وهذا إسناد صحيح ، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء ، وهو ابن أبي رباح . وأما " عثمان ابن عطاء " ، فإنه " الخراساني " . وهو ضعيف . وحجاج بن محمد : سمعه منهما ، من ثقة ومن ضعيف ، فلا بأس . ورواه الحاكم 2 : 267 - 268 ، من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذه السياقة " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا . وذكره السيوطي 1 : 108 ، ونسبه لأبي عبيد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه .